القرطبي
139
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : " تلك أمة قد خلت " " تلك " مبتدأ ، و " أمة " خبر ، " قد خلت " نعت لامة ، وإن شئت كانت خبر المبتدأ ، وتكون " أمة " بدلا من " تلك " . " لها ما كسبت " " ما " في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة على قول الكوفيين . " ولكم ما كسبتم " مثله ، يريد من خير وشر . وفي هذا دليل على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب ، وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك ، إن كان خيرا فبفضله وإن كان شرا فبعدله ، وهذا مذهب أهل السنة ، والآي في القرآن بهذا المعنى كثيرة . فالعبد مكتسب لأفعاله ، على معنى أنه خلقت له قدرة مقارنة للفعل ، يدرك بها الفرق بين حركة الاختيار وحركة الرعشة مثلا ، وذلك التمكن هو مناط التكليف . وقالت الجبرية بنفي اكتساب العبد ، وإنه كالنبات الذي تصرفه الرياح . وقالت القدرية والمعتزلة خلاف هذين القولين ، وإن العبد يخلق أفعاله . قوله تعالى : " ولا تسئلون عما كانوا يعملون " أي لا يؤاخذ أحد بذنب أحد ، مثل قوله تعالى : " ولا تزر وازرة وزر أخرى " أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى ، وسيأتي ( 1 ) . قوله تعالى : وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ( 135 ) . قوله تعالى : " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا " دعت كل فرقة إلى ما هي عليه ، فرد الله تعالى ذلك عليهم فقال : " بل ملة " أي قل يا محمد : بل نتبع ملة ، فلهذا نصب الملة . وقيل : المعنى بل نهتدي بملة إبراهيم ، فلما حذف حرف الجر صار منصوبا . وقرأ الأعرج وابن أبي عبلة : " بل ملة " بالرفع ، والتقدير بل الهدى ملة ، أو ملتنا دين إبراهيم . و " حنيفا " مائلا عن الأديان المكروهة إلى الحق دين إبراهيم ، وهو في موضع نصب على الحال ، قاله الزجاج . أي بل نتبع ملة إبراهيم في هذه الحالة . وقال علي بن سليمان : هو منصوب على أعني ، والحال خطأ ، لا يجوز جاءني غلام هند مسرعة . وسمي إبراهيم حنيفا لأنه
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 157 .